السيد محمد تقي المدرسي
146
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
الجمل الإنشائية الخالصة وقبل أن نسوق الكلام فيما ذهبوا إليه ينبغي أن نعيد للقارئ الكريم رأينا الذي يتمثل في : أنّ كل ألوان الإنشاء هي - في الحقيقة - اعتبارات ورغبات في النفس ، وكلماتها تعكسها للناس ، فأنتَ حين تطلب شيئاً بصيغة الأمر وتقول : " إذهب " فإنك قبل أنْ تُعبّر عن هذا الطلب كانت في نفسك رغبة أكيدة وطلب جدي لذهابه ، ثم عَكَسَتْ كلمتُك التي ألقيتَها إلى المستمع " إذهب " تلك الرغبة ، ولذلك لافرق جدي بين قولك « أطلب منك الذهاب » وبين قولك " إذهب " وحتى بين أن تقول : « إنّي أحب ذهابك » أو : " آمرك بالذهاب " . وهكذا لو تدبّرتَ في كتاب ربك ، وهو ذروة في الفصاحة والبلاغة ، لوجدتَ التعبيرات المختلفة عن الطلب مثل قوله سبحانه : ( فَاطَّهَّرُواْ ) . وقوله : ( وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) . وقوله : ( وَأَقْسِطُوا ) . وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) . كذلك قوله سبحانه : ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) . وقوله سبحانه : ( اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) . ومثل هذا كثير ؛ بلى ، عند الدقّة نجد أنّ الطلب في قولنا : " أطلب منك الذهاب " وقع منسوباً في الجملة حيث نسبنا الطلب إلى الذهاب ، بينما وقع في قولنا " إذهب " مجرد نسبة ، وهكذا كان - حسب الاصطلاح - في الأول معنى إسميّاً مستقلًا ، بينما صار في الثاني معنى حرفيّاً غير مستقل . هذا وقد ذهب أنصار هذا القول إلى وجود فوارق بين جملتي : " أستفهم عن وصول زيد " و " هل وصل زيد ؟ " وكذلك جملتي : " أطلب منك الذهاب " و " إذهب " وهكذا . . وتلك الفوارق تتمثل في رأيهم فيما يلي : أولًا : إنّ : الطلب ، والاستفهام ، وما أشبه مثل التمنّي في قولك : أتمنّى عودة الشباب ، كل ذلك يُفهم عند التصريح بها من تلك الكلمات " المصرِّحة " . بينما يُفهم كل ذلك من صيغها مثل صيغة : " إذهب " ، " هل ذهب زيد " " يا ليت زيد يذهب " .